الشيخ محمد النهاوندي
20
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
الابتداء قليلا ثمّ واسعا . ثمّ خصّ موسى عليه السّلام كلّ عين بسبط ، و قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ وسبط مَشْرَبَهُمْ والعين التي خصّت بهم ، حتّى لا يخالطهم فيها غيرهم ، ولا يقع النزاع بينهم لغاية العصبيّة التي كانت لهم وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وجعلنا فوقه السّحاب يسير في التّيه بسيرهم ويقف بوقوفهم ، كيلا يؤذيهم حرّ الشّمس وَأَنْزَلْنا من السّماء عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى - وقد سبق تفسيرهما في البقرة « 1 » - ثمّ قلنا لهم بلسان موسى : كُلُوا يا بني إسرائيل مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ومستلذّات ما أنعمنا عليكم . ثمّ ظلموا بأن كفروا هذه النّعم الجليلة ، وعصوا أحكامنا وَما ظَلَمُونا بكفرانهم وعصيانهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث انقطع عنهم الرّزق الطيّب الذي كان يأتيهم بلا اكتساب وكلفة ، واستحقّوا العذاب في الدّنيا والآخرة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 161 إلى 162 ] وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 161 ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ ( 162 ) ثمّ بيّن اللّه سبحانه نعمته الأخرى عليهم وكفرانهم إيّاها بعصيانهم وتمرّدهم عن أمر ربّهم بقوله : وَإِذْ قِيلَ من قبل اللّه لَهُمُ حين نجوا من التّيه وقربوا من البيت المقدّس أو بلدة أريحا ، وكانت فيها بقيّة من عاد يقال لهم العمالقة : يا بني إسرائيل اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ الكثيرة النّعم والثّمار وَكُلُوا مِنْها وتمتّعوا بها حَيْثُ شِئْتُمْ وفي أيّ ناحية أردتم بلا تعب وعناء وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً - وقد مرّ تفسيره في البقرة « 2 » - فإن فعلتم ذلك نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ التي سلفت منكم . ثمّ كأنّه قيل : فماذا لهم بعد المغفرة ؟ أو قيل : هذا للعصاة ، فماذا للمطيعين ؟ فأجاب سبحانه بقوله : سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ والمطيعين إحسانا وثوابا فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم مِنْهُمْ ما أمروا به من قول ( حطّة ) والاستغفار من الذّنوب ، وقالوا قَوْلًا آخر غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ من قول ( حطّة ) استهزاء باللّه ورسوله فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ بعد تبديلهم واستهزائهم رِجْزاً وعذابا شديدا مِنَ
--> ( 1 ) . تقدّم في تفسير الآية ( 57 ) من سورة البقرة . ( 2 ) . تقدّم في تفسير الآية ( 58 ) من سورة البقرة .